-->

شريط الأخبار

وثيقة إيجاز مفصلة: النظرية السلوكية للتعلم



تتناول هذه الوثيقة المبادئ الأساسية للنظرية السلوكية للتعلم، مستعرضة آراء أبرز روادها وتجاربهم المؤثرة. تركز النظرية السلوكية على السلوك القابل للملاحظة والقياس كمركز للتعلم، وترى أن البيئة هي المحدد الرئيسي للسلوك المكتسب.

I. السلوكية: تعريفات ومبادئ عامة

  • تعريف السلوك: "السلوك هو كل ما يدركه الكائن الحي، أو فعلاً." (النظرية السلوكية للتعلم-1)
  • يمكن أن يكون السلوك ظاهراً (حركة) أو خفياً (تفكير).
  • السلوك نوعان: سلوك فطري (ثابت، بسيط، لا إرادي، رد فعل) وسلوك مكتسب (إرادي، مركب، متغير، مقصود).
  • أسباب السلوك: السلوك ناتج عن مثير خارجي (طبيعي أو اجتماعي) ويؤدي إلى استجابة أو استجابات.
  • وظيفة السلوك: "كل سلوك له هدف أو نتيجة." (النظرية السلوكية للتعلم-1) ويمكن التنبؤ بالاستجابة/السلوك.
  • أهداف علم النفس السلوكي:"دراسة السلوك وتعديله/ضبطه والتحكم فيه والتنبؤ به وتفسيره." (النظرية السلوكية للتعلم-1)
  • وصف وتفسير الشعور والنوايا والرغبة والإرادة والإدراك.
  • علم النفس السلوكي: يُنظر إليه على أنه "علم السلوك الظاهر" أو "علم السلوك القابل للملاحظة"، وليس "علم نفس" بالمعنى التقليدي الذي يدرس الشعور أو الوعي.
  • منهج البحث: تعتمد السلوكية على المنهج الموضوعي والتجريبي المجرد، وتعتبر علم النفس فرعاً من فروع العلوم الطبيعية.
  • رفض الاستبطان: السلوكيون يرفضون الاستبطان كوسيلة للبحث لأنه:
  • يصعب ملاحظة الفرد وهو يقوم بالاستبطان في نفس الوقت.
  • تعتبر السلوكية الفرد "صندوقاً أسود" لا يمكن رؤية ما بداخله من عمليات ذهنية غير مرئية.

II. الأسس الفلسفية للسلوكية

  • النزعة التطورية والانتخاب الطبيعي (داروين): السلوك وظيفي يهدف للتكيف مع البيئة.
  • الاختزالية: تبني السلوكية منهجية تجزيء الكل إلى عناصر ثم تجميعها، متأثرة بالعدّيّة الديكارتية والتحليل النفسي لفرويد.
  • أنواع النزعات السلوكية:النزعة الوظيفية: تفسر التعلم من خلال الارتباطات الوظيفية، وتؤكد على وظيفة السلوك.
  • النزعة الارتباطية: تفسر التعلم من خلال الارتباط الوثيق بين المثير والاستجابة، وتؤكد على طبيعة السلوك وكيف يتكون.

III. رواد النظرية السلوكية وتجاربهم

أ. إيفان بافلوف (IVAN PAVLOV) 1849-1936: نموذج السلوكية الارتباطية

  • خلفية: عالم فيزيولوجي روسي، نال جائزة نوبل عام 1904 لأبحاثه حول إفرازات الغدد الهضمية، خاصة الغدد اللعابية (اللواثية).
  • فكرته الرئيسية: السلوك الإنساني والحيواني مرده إلى الاستجابة الشرطية.
  1. تجربة الكلب:المثير الطبيعي (الطعام) ← استجابة طبيعية (سيلان اللعاب).
  2. المثير المحايد (صوت الجرس) ← لا استجابة (لا سيلان لعاب).
  3. المثير الشرطي (صوت الجرس) + المثير الطبيعي (الطعام) ← استجابة طبيعية (سيلان اللعاب). تكرار هذه العملية عدة مرات.
  4. المثير الشرطي (صوت الجرس) بدون طعام ← استجابة شرطية (سيلان اللعاب).
  • الاستنتاج: "يمكن لأي مثير بيئي محايد أن يكسب القدرة على التأثير في وظائف الجسم الطبيعية والنفسية، إذا ما ارتبط بمثير آخر من شأنه أن يثير فيه استجابات انعكاسية طبيعية أو شرطية أخرى، وقد تكون هذه المصاحبة عن عمد أو عن طريق الصدفة." (النظرية السلوكية للتعلم-1)
  • قوانينه/مبادئه:قانون التعميم أو الزمان والتران: "إذا اقترن مثير شرطي بمثير طبيعي، فإن المثير الطبيعي يعزز الاستجابة الشرطية التي يعممها المثير الشرطي." (النظرية السلوكية للتعلم-1)
  • قانون الانطفاء: "إذا استمر المثير الشرطي في الظهور لفترة دون تعزيز أو تعميم للمثير الطبيعي، فإن فعالية السلوك الشرطي تضعف ويزول، أي ان الاستجابة الشرطية تضمحل ويزول أي أثر للمثير الشرطي لإحداث الاستجابة الشرطية." (النظرية السلوكية للتعلم-1)

ب. جون واتسون (WATSON) 1878-1958: السلوكي المتطرف

  • خلفية: عالم نفس أمريكي، يعتبر "المؤسس الحقيقي للمدرسة السلوكية" بمقالته الشهيرة عام 1913 "علم النفس كما يراه السلوكيون" أو "البيان السلوكي".
  • رؤيته: "علم النفس ليس سوى علم السلوك" وليس "علم الشعور". يؤكد على أن السلوكية تدرس السلوك الظاهر والردود الفعلية الظاهرة، ولا تهتم بدراسة الحياة الذهنية الداخلية.
  1. تجربة ألبرت الصغير:وضع فأر أبيض أمام طفل (ألبرت)، لم يبد الطفل أي خوف.
  2. عرض الفأر الأبيض مع إحداث ضوضاء مفاجئة (ضرب قضيب حديدي)، ففزع الطفل وأظهر الخوف.
  3. تكرار التجربة عدة مرات.
  4. بمجرد رؤية الفأر الأبيض (بدون صوت)، أظهر الطفل الخوف.
  • الاستنتاج:الخوف ليس فطرياً، بل هو سلوك خاطئ مكتسب من البيئة.
  • يمكن تكييف ردود فعل شرطية أو التحكم فيها.
  • يمكن تعديل سلوك الأفراد والتحكم فيه من خلال التحكم في الارتباط بين المثير والاستجابة.
  • تجربة إزالة الخوف من الأرانب عند بعض الأطفال: أثبتت إمكانية التخلص من السلوك غير السوي وتعلمه بنفس طريقة اكتسابه.
  • قوانين التعلم عند واتسون:قانون التكرار: "الاستجابة التي تتكرر أكثر من غيرها هي الاستجابة المعاشة للفرد التي تبقى وتدوم." (النظرية السلوكية للتعلم-1)
  • قانون الحداثة: "الاستجابة الأكثر حداثة في الموقف هي الاستجابة الأكثر بقاء في الذاكرة، والتكرار هو الاستجابة الأكثر بقاء في أي موقف." (النظرية السلوكية للتعلم-1)
  • نقطة خلاف مع بافلوف: يرى واتسون أن التعلم لا يتطلب التكرار بالضرورة لتقوية الرابطة، بل يكفي الاقتران مرة واحدة.

ج. إدوين راي غوثري (Edwine Ray GUTHRIE) 1886-1959: التعلم بالاقتران

  • خلفية: عالم نفس أمريكي.
  • تجربة "صندوق اللغز":وضع قططاً في صناديق تفتح بلمسة خفيفة لعصا.
  • سجل كاميرات حركات القطط قبل فتح الباب.
  • لاحظ تكرار نفس الاستجابة (الحركة التي سببت فتح الباب) بشكل واسع.
  • قانون التعلم: "قانون الاقتران": "إذا نشط مثير ما، وتكررت استجابة معينة، فإن تكرار ظهور هذا المثير أو مثير شبيه له، يؤدي إلى تكرار ظهور تلك الاستجابة." (النظرية السلوكية للتعلم-1)
  • يرى غوثري أن المثير هو الموقف أو الظروف التي نتجت عنها الاستجابة.
  • يفسر التكرار بالاستجابة الأخيرة: "الاستجابة الأخيرة هي التي تتذكرها الكائن الحي وتتكرر." (النظرية السلوكية للتعلم-1)
  • موقفه من التعزيز: يرى غوثري أن التعزيز مجرد حدث يعمل على تعديل الموقف وليس قوة دافعة.
  • اختلافاته مع بافلوف وواتسون:أهمية الاقتران: يرى أن المثير الطبيعي لا يلزم أن يسبق المثير الشرطي لحدوث الاستجابة.
  • التكرار: يرفض فكرة التكرار في عملية التعلم الشرطي، ويرى أن الاقتران يحدث دفعة واحدة.
  • طبيعة التعلم: يرى أن التعلم عملية فردية وليست تراكمية، وأن التعلم يثبت فوراً.
  • النسيان: يفسر النسيان بوجود خبرة جديدة تحل محل الخبرة القديمة.
  • كسر العادات وتعديل السلوك:طريقة العتبة أو التدرج: تقديم المثير الذي يستدعي الاستجابة غير السوية بقوة تحت عتبة الاستدعاء، ثم زيادته تدريجياً. (مثال: تقديم الطعام المر)
  • طريقة الإجهاد أو الممارسة السلبية: تقديم المثير بقوة فوق عتبة استدعاء الاستجابة غير السوية، وتكرار ذلك حتى يرهق الفرد ويكف عن إصدار الاستجابة. (مثال: علاج الخوف الشديد)
  • طريقة المثيرات المتفاكسة أو غير المتكافئة: تقديم مثيرات الاستجابة غير السوية مع مثيرات جديدة بقوة فوق العتبة، فتنفصل الاستجابة غير السوية عن مثيراتها الأصلية وترتبط بالمثيرات الجديدة. (مثال: الدراسة في مقهى)

د. إدوارد لي ثورندايك (EDWARD LEE THORNDIKE) 1874-1949: التعلم بالمحاولة والخطأ

  • خلفية: عالم نفس أمريكي، عمل أستاذاً لعلم التدريس.
  • تجربة "صندوق المشكلة":وضع قططاً جائعة في صندوق يفتح برافعة، والطعام خارج الصندوق.
  • سجل عدد المحاولات والزمن المستغرق للخروج.
  • في البداية، تقوم القطط بمحاولات عشوائية (خربشة، عض).
  • بالصدفة، تضغط القطة على الرافعة وينفتح الباب.
  • مع تكرار المحاولات، يقل زمن الخروج وتصبح الاستجابات أكثر دقة.
  • الاستنتاج: "عندما يواجه الفرد مشكلة ويرغب أن يصل إلى هدف، فإنه يختار أو يرتكب أخطاء من خلال التكرار، ويختار من بين عدة استجابات مختلفة أو من أجل تحقيق هدفه." (النظرية السلوكية للتعلم-1) سمى هذا النوع من التعلم "التعلم بالمحاولة والخطأ".
  • قوانينه:قانون التكرار: "تقوى الاستجابة التي تعاش للفرد، كلما تكررت هذه الاستجابة." (النظرية السلوكية للتعلم-1)
  • قانون الأثر: "تكرر الكائنات الحية الاستجابة نفسها إذا كانت نتيجة الاستجابة (أثرها) تؤدي إلى الرضا والارتياح (إيجابي)، وتتوقف الكائنات عن الاستجابة إذا أدى أثرها إلى حالة من الضيق وعدم الرضا." (النظرية السلوكية للتعلم-1) (يعتبر هذا أهم قوانينه)
  • قانون الاستعداد: "يزداد سرعة الارتباط وقوته كلما دعت إلى حالة من الرضا أو الضيق." (النظرية السلوكية للتعلم-1)

ه. سكينر (SKINNER) 1904-1990: الإشراط الإجرائي

  • خلفية: عالم نفس أمريكي، تأثر بثورندايك ولكنه اختلف معه في عدة آراء.
  • مساهمته الرئيسية: "نظرية التعلم الإجرائي".
  • تجربة الفأر وسلوك الضغط على الرافعة:وضع فأراً جائعاً في صندوق به رافعة صغيرة.
  • عندما يضغط الفأر على الرافعة، يفتح مخزن الطعام (التعزيز).
  • يتعلم الفأر تكرار هذا السلوك للحصول على الطعام.
  • تجربة سلوك رفع الرأس عند الحمامة:تتلقى الحمامة الطعام عندما ترفع رأسها إلى مستوى معين.
  • تتعلم الحمامة رفع رأسها للحصول على الطعام.
  • الاستنتاجات:يعزز سكينر فكرة قانون الأثر الخاص بثورندايك، ولكنه يركز على مفهوم "التعزيز" (Reinforcement) بدلاً من "الرضا وعدم الرضا".
  • قانون الأثر (سكينر): "السلوك الذي يقوم به الفرد وتكون نتائجه مواتية، يحدث تغيير في هذا السلوك ويعدله من خلال إجراء خطوات متسلسلة تدريجية للتعزيز." (النظرية السلوكية للتعلم-1)
  • نوعا السلوك عند سكينر:سلوك استجابي (Respondent Behavior): فطري، ثابت، انعكاسي، بسيط، ومفروض حتمًا لمثير معين. (ركز عليه بافلوف)
  • سلوك إجرائي (Operant Behavior): مكتسب، متغير، إرادي، مركب، ومقصود. يتأثر بنتائجه، أي أن تكراره يتوقف على وظيفته.
  • أنواع الاستجابات الإجرائية:استجابات تسير نحو الهدف: يتم تعزيزها وتصبح لبنة في بناء السلوك المركب.
  • استجابات لا تسير نحو الهدف: لا يتم تعزيزها.
  • التعزيز (Reinforcement):التعزيز الموجب: إضافة مثير مرغوب فيه (طعام، مدح) بعد سلوك مرغوب فيه لتقوية احتمالية ظهوره لاحقاً.
  • التعزيز السالب: إزالة مثير غير مرغوب فيه (توبيخ، ألم) بعد سلوك مرغوب فيه لتقوية احتمالية ظهوره لاحقاً.
  • العقاب (Punishment):العقاب الموجب: إضافة مثير غير مرغوب فيه (ألم، رائحة كريهة) بعد سلوك غير مرغوب فيه لتقليل احتمالية ظهوره لاحقاً.
  • العقاب السالب: إزالة مثير مرغوب فيه (ترفيه، رعاية) بعد سلوك غير مرغوب فيه لتقليل احتمالية ظهوره لاحقاً.
  • مبادئ استخدام التعزيز والعقاب:التعزيز أو العقاب يجب أن يلي السلوك مباشرة.
  • إخبار الفرد بسبب تعزيزه أو عقابه.
  • يجب أن يكون للتعزيز والعقاب أثر واضح على السلوك.
  • عدم الإفراط في استخدام التعزيز والعقاب.
  • التعزيز الخارجي أفضل من الداخلي وأكثر فعالية واستمرارية.
  • جداول التعزيز:مستمر: تعزيز الاستجابة في كل مرة تظهر فيها. (لبناء سلوك جديد)
  • متقطع: تعزيز السلوك المركب في حالات محددة من ظهوره. (للحفاظ على ديمومة السلوك)
  • نسبة ثابتة: تعزيز بعد عدد محدد من الاستجابات.
  • نسبة متغيرة: تعزيز بعد عدد غير منتظم من الاستجابات.
  • فترة ثابتة: تعزيز بعد فترة زمنية محددة.
  • فترة متغيرة: تعزيز بعد فترات زمنية متفاوتة.

IV. خاتمة

تقدم النظرية السلوكية إطاراً قوياً لفهم كيفية اكتساب السلوكيات وتعديلها من خلال التفاعل مع البيئة. لقد قدم روادها، من بافلوف وواتسون إلى ثورندايك وسكينر، مفاهيم وتجارب أساسية لا تزال تشكل حجر الزاوية في علم النفس والتعليم، خاصة في مجالات تعديل السلوك وتصميم البرامج التعليمية القائمة على التعزيز. وعلى الرغم من بعض الانتقادات التي وجهت لها، لا سيما في إهمال العمليات الذهنية الداخلية، إلا أن مساهماتها في فهم التعلم البشري والحيواني لا يمكن إنكارها.

تحميل مباشرة