وثيقة إحاطة مفصلة: النظرية الجشطالتية
وثيقة إحاطة مفصلة: النظرية الجشطالتية
تقديم
تتناول هذه الوثيقة النظرية الجشطالتية، وهي إحدى نظريات التعلم الهامة التي ظهرت في أوائل القرن العشرين كرد فعل على النظريات السلوكية السائدة آنذاك. تركز النظرية الجشطالتية بشكل أساسي على الإدراك والكليات، مؤكدة أن "الكل أكبر من مجموع أجزائه" ولها تطبيقات تربوية واسعة.
I. المفاهيم الأساسية لنظرية الجشطالت
1. مفهوم الجشطالت
يعني "الكل المترابط بالأجزاء باتساق وانتظام، بحيث تكون الأجزاء المكونة له مترابطة فيما بينها من جهة، ومع الكل ذاته من جهة أخرى". كل جزء من الجشطالت له مكانته ودوره ووظيفته التي تتطلبها طبيعة الكل.
2. مفهوم البنية
تتشكل البنية من العناصر المرتبطة بقوانين داخلية تحكمها، وهي دينامية ووظيفية. "إن كل تغيير في عنصر يؤدي إلى التأثير على البنية ككل وعلى أشكال اشتغالها وتمظهراتها."
3. مفهوم الاستبصار
يميز الجشطالتيون بين طريقتين للاستبصار:
- الطريقة الاستكشافية: يقوم فيها المتعلم بسلوكات أولية للتعرف على الموضوع أو الوضعية وما تتضمنه من علاقات وخصائص وعناصر، تليها "فترة هدوء مؤقتة... وما هي إلا حل فجائي في ذهن الفرد."
- الطريقة المنهجية: يقوم فيها الفرد بمعالجة منهجية للموضوع أو الوضعية، ليبدأ بفرز عناصرها ومكونات بنيتها الكلية، ثم ينتقل إلى بناء خطوات تساعده على إيجاد حل للمشكلة.
4. مفهوم الإدراك
يعرّف هيلوهتز (Helohetz) الإدراك بأنه "حالة الانتقال مما هو محسوس إلى استنتاج واع، معتمدًا على العمليات الذهنية." وترى النظرية الجشطالتية أن التعلم يرتبط بإدراك الكائن لذاته ولموقف التعلم، وأنه يتم "عن طريق مفهوم الإدراك والانتقال من وضعية إلى وضعية، ومن مرحلة الغموض إلى مرحلة الوضوح."
II. النظرة التاريخية وأهم المنظرين
1. نظرة عامة وتاريخ ظهور النظرية الجشطالتية
ظهرت النظرية الجشطالتية كواحدة من عدة مدارس فكرية متنافسة في العقد الأول من القرن العشرين، كنوع من الاحتجاج على الأوضاع الفكرية السائدة آنذاك والمتمثلة في النظريات الميكانيكية والترابطية. عارضت هذه النظرية الفكرة القائلة بأن "النفس ليست أكثر من مجموع لأجزائها المكونة لها."
كان المناخ السائد في علم النفس أواخر القرن التاسع عشر يرى أن "الكل، بصفة عامة، ليس أكثر من مجموع أجزائه." إلا أن البحث الشهير الذي أعده كريستيان فون إهرينفلز (K. von Ehrenfels) عام 1890، رأى أن "معظم الكليات العقلية هي أكثر من مجرد مجموع أجزائها." المؤسس الحقيقي للنظرية هو ماكس فرتيمر (Max Wertheimer) الذي اقترح حوالي عام 1910 تنظيمًا جديدًا جذريًا لوجهة النظر الكلية وهو "الجشطالت". رأى فرتيمر أن "الكل ليس مساويًا لمجموع الأجزاء، وليس كذلك مجرد مجموع الأجزاء مضافًا إليه عنصر آخر أو الصفة الجشطالتية. فالكل يمكن أن يختلف اختلافًا تامًا عن مجموع أجزائه."
2. المنظرون الرئيسيون
- ماكس فرتيمر (Max Wertheimer) (1880-1943): مؤسس النظرية الجشطالتية.
- وولفجانج كوهلر (Wolfgang Köhler) (1887-1967): أحد أبرز منظري الجشطالت، أجرى تجارب واسعة على حل المشكلات عند قردة الشمبانزي.
- كيرت كوفكا (Kurt Koffka) (1886-1941): ساهم في نشر وتطوير النظرية في الولايات المتحدة الأمريكية.
ولدت النظرية الجشطالتية في ألمانيا ثم انتقلت إلى الولايات المتحدة الأمريكية على يد كوفكا وكوهلر، لتصبح مدرسة رئيسية في علم النفس الأمريكي.
3. موقف الجشطالت من النظريات السلوكية
جاءت نظرية التعلم الجشطالتية كرد فعل على نظرية التعلم السلوكية، وتختلف عنها جذريًا في فهمها للتعلم. ترفض الجشطالتية العديد من أفكار السلوكية:
- انتقاد تفتيت الإدراك: ينتقد الجشطالتيون "الاتجاه نحو تفتيت الإدراك نحو جزئيات صغيرة، فالفرد لا يدرك الموقف كوحدة واحدة وليس كجزئيات مترابطة."
- التعلم ليس محاولة وخطأ: اعتبروا أن "مجرد المحاولة والخطأ ودون المعنى لا يمثلان خصائص التعلم."
- رفض الحفظ والتطبيق الآلي: اعتبروا أن "الحفظ والتطبيق الآلي للمعارف تعلم سلبي."
- التعلم الحقيقي ينطوي على الفهم والاستبصار: "التعلم الحقيقي ينطوي على الفهم والاستبصار وليس على تكوين الارتباطات أو الإشراط الاعتباطية."
- الكل أساسي في تحديد طبيعة الأجزاء: يرى الجشطالتيون أن "الكليات هي الأساسية وهي التي تحدد طبيعة الأجزاء التي تكون أكثر من مجرد مجموع الكلي لأجزائها."
- التحليل يجب أن يسير من الأعلى إلى الأسفل: "ينبغي أن يسير من الأعلى إلى الأسفل وليس العكس حيث أنهم يعترفون بكلية الكل وبالدور الحاسم الذي يلعبه هذا الكل في تحديد أجزائه."
- الارتباطات الجزئية الميكانيكية صور كاريكاتورية: تدعي النظرية الجشطالتية أن "الارتباطات الجزئية الميكانيكية لا تعدو كونها صور كاريكاتورية فارغة... للتعلم الحقيقي."
السؤال الجوهري لعلم النفس التعليمي ليس كيف تنشأ مجموعة من الأجزاء الميكانيكية بين المثيرات والاستجابات، بل "ما هي الشروط اللازمة لتحقيق الفهم الحقيقي للمشكلة وتحقيق حلها."
III. التطبيقات التربوية لنظرية الجشطالت
تقدم النظرية الجشطالتية العديد من التطبيقات التربوية التي يمكن للمعلم استغلالها لتحقيق الأهداف التعليمية، منها:
- التركيز على الطريقة الصحيحة للإجابة: يجب أن يكون التأكيد الأساسي للمعلم على الطريقة الصحيحة للإجابة وليس على الإجابة الصحيحة بحد ذاتها، وذلك لتنمية الفهم والاستبصار والقواعد والمبادئ المسؤولة عن الحل، مما يزيد فرص انتقالها إلى مشكلات أخرى.
- الاستفادة من مفهوم الاستبصار في حل المشكلات: يمكن الاستفادة من مفهوم الاستبصار في حل المشاكل الرياضية، أو التفكير في مشكلة هندسية، وذلك بحصر المجال الكلي للمشكلة.
- التأكيد على المعنى والفهم وربط الأجزاء بالكل: "يجب ربط الأجزاء دائمًا بالكل فتكتسب المغزى والفهم." فمثلًا، تكتسب الأحداث والأسماء التاريخية مغزى أكبر عند ربطها بالأحداث الجارية أو بشخص هام بالنسبة للطالب.
- إظهار البنية الداخلية للمادة المتعلمة وجوانبها الأساسية: "يحقق بروزها الإدراكي بالمقارنة بالجوانب الهامشية فيها." وتوضيح أوجه الشبه بين المادة المتعلمة الحالية وما سبق للطالب تعلمه، مما يساعد على إدراكها بشكل جيد.
- تنظيم مادة التعلم في نمط قابل للإدراك: مع الاستخدام الفعال للخبرة السابقة، وإظهار كيف تتلاءم الأجزاء في النمط ككل.
- تدريب الطالب على عزل أنفسهم إدراكيًا عن العناصر والمواد: والظروف الموقفية التي تتداخل مع ما يحاولون حله من المشكلات.
IV. خلاصة
النظرية الجشطالتية هي أساسًا نظرية في التفكير وحل المشكلات، وهي من بين اهتماماتها الرئيسية العمليات المعرفية الأخرى مثل الإدراك والتعلم. من المفاهيم الأساسية في النظرية الجشطالتية مفاهيم البنية المحددة والعلاقة والتنظيم وإعادة التنظيم والمعنى. أما المفهومان المركزيان في مجال التعلم فهما فكرتا الاستبصار والفهم.
بينما لم تعد مدرسة الجشطالت ظاهرة ذات نشاط فعال عند حل عقد السبعينات، إلا أن الكثير من الاهتمامات التي أثارها المنظرون الجشطالتيون ظلت ولا تزال مركزية في الأبحاث الحاضرة التي تناولت المعرفة ومعالجة المعلومات والإدراك وحل المشكلات والتعلم.
المراجع المعتمدة:
- فعل عبد الكريم غريب في طرق وتقنيات التعليم، من المعرفة إلى فعل التعلم، ص 80.
- محمد الصدوقي، المفيد في التربية، ص 26.
- تحميل مباشرة